فصل: موعظة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موارد الظمآن لدروس الزمان



.فَصْل في تَحْرِيْمِ النَّمِيْمَة:

ويجب اجتناب النميمة قال الله تَعَالَى: {وَلَا تُطِعْ كُلّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ} وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وسلم: «ألا أخبركم بشراركم؟» قَالُوا: بلى، قال: «المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء العنت». رواه أَحَمَد.
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وسلم: «لا يدخل الْجَنَّة نمام». وعن ابن مسعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن النَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وسلم قال: «ألا أنبئكم ما العضة هِيَ النميمة القالة بين النَّاس». رواه مسلم. وعن عبد الرحمن بن غنم وأسماء بنت يزيد رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أن النَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وسلم قال: «خيار عباد الله الَّذِينَ إذا رؤا ذكر الله وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون البراء العنت». رواهما أَحَمَد والبيهقي في شعب الإِيمَان.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلم مر بقبرين يعذبان فَقَالَ: «إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكَانَ يمشي بالنميمة، وأما الآخِر فكَانَ لا يتسبرئ من بوله». الْحَدِيث رواه البخاري.
فالنميمة نقل كلام بعض النَّاس لبعض لقصد الإفساد، وإيقاع العداوة والبغضاء، فالنم خلق ذميم لأنه باعث للفتن وقاطع للصلات وزارع للحقَدْ، ومفرق للجماعات، يجعل الصديقين عدوين والأخوين أجنبيين، والزوجين متنافرين، فهذه المعصية معصية النميمة، ولا يرضاها لنفسه إِلا من انحطت قيمته ودنؤت نَفْسهُ، وكَانَ عندها حقيرًا، وصار كالذباب ينقل الجراثيم.
وأما من كَانَ يشعر بنفسه، فلا يرضى لها هذه الحالة، وهي حرام بجَمِيع أنواعها، سواء كانت بين الأصدقاء والأصحاب أو عَنْدَ أرباب الجاه والسُّلْطَان، وهي شر أنواع النميمة وأشد خطرًا فإن هذه هِيَ السعاية ولا يخفى ما وراء ذَلِكَ من المفاسد العظيمة فكم جرت من ويلات على كثير من الأبرياء الْمُؤْمِنِين الغافلين طاهري القُلُوب سليمي الصدور فقضت على أرواحهم وأموالهم وَكَمْ نكلت بكثير من الْعُلَمَاء فأخرجتهم من ديارهم وأموالهم وأصبحوا عرضة للمحن والنوائب وَكَمْ ضرت بصالحين مطمئنين فأودعتهم السجون وسلبتهم الحقوق، وجعلت للفسقة عَلَيْهمْ سلطانًا، وَكَمْ حرمت أطفالاً من قوتهم وسلبت مِنْهُمْ نعيمهم بدون جناية اقترفوها أو كانت بين زوجين، أو بين الأَهْل والأقرباء، ولا ريب في أن النميمة في هذه الحالة أشد من النميمة بين الأصدقاء والأصحاب، لإفضائها إلى قطيعة الرحم والطلاق غالبًا، ومن ذَلِكَ النميمة بين الجماعات والإفساد بين القبائل ومن ذلك النميمة لرفع الثِّقَة من مزاحم في تجارة أو صناعة أو زراعة ومن ذَلِكَ النميمة لإنزال شخص عن مكانته واحترامه عَنْدَ فئة من النَّاس. هَذَا معظم أنواع النميمة، وهي كما تَرَى من شر ما منيت به الفضيلة ورزئت به الإنسانية فليتق الله ذووا الألسنة الحداد ولا ينطقوا إِلا بما فيه الْخَيْر لخلق الله، ويكفيكم في هَذَا قول المصطفى صلى الله عَلَيْهِ وسلم: «ومن كَانَ يؤمن بِاللهِ واليوم الآخِر فليقل خيرًا أو ليصمت». رواه البخاري ومسلم.
فإذا تبين أن النميمة داء وبيل، وشر خطير تترتب عله كُلّ هذه الشرور والمفاسد فعلى من نقُلْتُ إليه النميمة مثل أن يُقَالُ له: قال فيك فلان كَذَا وَكَذَا، أو فعل في حقك كَذَا ونحو ذَلِكَ أن لا يصدق الناقل لأن النمام فاسق لا يصح الوثوق بخبره.
ثانيًا: أن ينهي الناقل وينصحه إن كَانَ يظن به خيرًا ويعتقَدْ أن يتأثر بالموعظة الحسنة فيذكر له ما يترتب على نمامته من إيذاء الأبرياء وظلم النَّاس في أموالهم وأرزاقهم ويحذره من عاقبة وشايته وأنه ربما ينكشف أمره عَنْدَ حاكمٍ عادلٍ فيقتص منه شر قصاصٍ أو يظهر كذبه عَنْدَ من ينقل إليه فينعكس غرضه وأنه ربما نم على رجل أقوى منه فينتقم لنفسه بما لا قبل له به وإن النمام ساقط المروءة في أنظار النَّاس، مبغوضًا عندهم حتى أقربائه الَّذِينَ فيهم خَيْر وصلاح، فربما يرتدع بذَلِكَ.
ثالثًا: أن لا يظن بأخيه الغائب السُّوء وخَيْر علاج يقضي عَلَيْهِ أن ينصرف النَّاس عن النمام ولا يستمعون له لأنه حسود وأكثر من يعادي أَهْل الفصل والدين الحساد لأنهم لا يرضون أعمالهم، وتجد الحسود إذا عجز أن يصل إلى ما وصل إليه الكرام يعيبهم ويتنقصهم.
قال الشاعر:
إِذَا بَعُدَ الْعُنُقُودُ عَنْهُ وَلَمْ يَصِلْ ** إليه بِوَجْهٍ قَالَ مُرٌّ وَحَامِضُ

آخر:
وَقَدْ يَنْبَحُ الْكَلْبُ السَّحَابَ وَدُونَهُ ** مَهَامِهُ تُعْشِي نَظْرَةَ الْمُتَأَمِل

قال الشاعر:
وَذُو النَّقْصِ فِي الدُّنْيَا بِذِي الْفَضْلِ مَوْلَعُ

وَيَقُولُ الآخر:
لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِن الأَذَى ** حَتَّى يُرَاقَ عَلَى جَوَانِبِهِ الدَّمُ

وَيَقُولُ الآخر:
وَكَذَا الْمَنَايَا مَا يَطَأْنَ بِمَنْسَمٍ ** إِلا عَلَى أَعْنَاقُ أَهْلِ السُّودَد

وَيَقُولُ الآخر:
إِنّ الْوَرَى أَعْدَاءُ مَنْ فَضَلَ الْوَرَى

آخر:
الْمَرْءُ يُقْلَى إِنْ عَلا ** حَسَدًا وَيُهْوَى إِنْ هَوَى

كَالْغُصْنِ يُرْجَمْ مُشَمِّرًا ** أَبَدًا وَيُسْقَى إِنْ ذَوَى

آخر:
وَمَا زَالَتِ الأَشْرَاف تُهْجَى وَتُمْدَحُ

وَيَقُولُ الآخر:
وَيَبِيتُ قَوْمُ يُحْسَدُونَ مُحَمَّدًا ** وَذُو الْفَضْلِ لا تَلْقَاهُ إِلا مُحَسَّدًا

آخر:
وَكَأَنَّمَا شَرَفُ الشَّرِيفِ إِذَا ائْتَمَى ** جُرْمٌ جَنَاهُ عَلَى اللَّئِيمِ الرَّاضِعِ

آخر:
مَوْسُومَةُ بِالْحُسْنِ ذَاتَ حَوَاسِدِ ** إِنَّ الْحِسَانَ مَظَنَّةُ لِلْحُسَّد

آخر في التحذير من النميمة والغيبة والبهت إلخ....
تَنَحَّ عَنْ النَّمِيمَةِ وَاجْتَنِبْهَا ** فَإِنَّ النَّمَ يُحْبِطُ كُلَّ أَجْرِ

يُثِيرُ أَخُو النَّمِيمَةِ كُلَّ شَرٍّ ** وَيَكْشِفُ لِلْخَلائِقِ كُلَّ سِرِ

وَيَقْتُلُ نَفْسَهُ وَسِوَاهُ ظُلْمًا ** وَلَيْسَ النَّمُ مِنْ أَفْعَالِ حُرٍّ

آخر:
وَيَحْرُمُ بُهْتُ وَاغْتِيَابُ نَمِيمَةُ ** وَإِفْشَاءُ سِرٍّ ثُمَّ لَعْنُ مُقَيَّد

آخر:
وَصَاحِبُ النَّمِّ كَالدَّاءِ الْعَيَاءِ إِذَا ** مَا ارْفَضَّ فِي الْجِلْدِ يَجْرِي هَا هُنَا وَهُنَا

يُبْدِي وَيُخْبِرُ عَنْ عَوْرَاتِ صَاحِبِهِ ** وَمَا يَرَى عِنْدَهُ مِنْ صَالِحٍ دَفَنَا

آخر:
وَلِدّيَانَاتِ أَهْلُ يَعْرفون بِهَا ** وَلِنَّمَامَةِ بَيْنَ النَّاسِ فُسَّاقُ

روي عن عمر بن عَبْد الْعَزِيز أنه دخل عَلَيْهِ رجل فذكر عنده وشاية في رجل آخر فَقَالَ عمر: إن شئت حققنا هَذَا الأَمْر الَّذِي تَقُول فيه وننظر فيما نسبته إليه.
فإن كنت كاذبًا فأَنْتَ من أَهْل هذه الآيَة: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} وإن كنت صادقًا فأَنْتَ من أَهْل هذه الآيَة: {هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ} وإن شئت عفونا عَنْكَ فَقَالَ: العفو يا أمير الْمُؤْمِنِين لا أَعُود إليه أبدَا.
إِذَا وَاشٍ أَتَاكَ بِقَوْلِ زُورٍ ** فَلا تَدَعِ الصَّدِيق لِقَوْلِ وَاشِي

وَلا تُخْبِرْ بِسِرِّكَ كُلُّ سِرٍّ ** إِذَا مَا جَاوَزَ الاثْنَيْنِ فَاشِي

وَلا تَصْحَبْ قَرِينَ السُّوءِ وَانْظُرْ ** لِنَفْسِكَ مَنْ تُقَارِنُ أَوْ تُمَاشِي

ورفع إنسان رقعة إلى الصَاحِب بن عباد يحثه على أخذ مال يتيم وكَانَ له مال كثير فكتب على ظهره الرقعة: النميمة قبيحة، وإن كانَتْ صحيحة والميت رَحِمَهُ اللهُ، واليتيم جبره الله، والْمَال ثمره الله، والساعي لعنه الله. وَقَالَ الحسن البصري: من نقل إليك حديثًا فاعْلَمْ أنه ينقل إلى غيرك حديثك ووشى رجل برجل إلى أحد الولاة فَقَالَ: أتحب أن نقبل منك ما قُلْتُ فيه على أن نقبل منه ما قال فيك؟ قال: لا، قال: فكف عن الشر يكف عَنْكَ.
لا تُفْشِ سِرًّا مَا اسْتَطَعْتَ إلى امْرِئٍ ** يُفْشِي إليك سَرَائِرًا يَسْتَوْدِعُ

فَكَمَا تَرَاهُ بِسِرٍّ غَيْرِكَ صَانِعًا ** فَكَذَا بِسِرِّكَ لا أَبَالَكَ يَصْنَعُ

آخر:
لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ يُسْتَطَبُّ بِهِ ** إِلا النَّمَامَةَ وَالطَّاعُونَ وَالْهَرَمَا

آخر:
لا تَقْبَلَنَّ نَمِيمَةً بُلِّغْتَهَا ** وَتَحْفَظَنَّ مِنَ الَّذِي أَنْبَاكَهَا

إِنَّ الَّذِي أَهْدَى إليك نَمِيمَةً ** سَيَنِمُ عَنْكَ بِمِثْلِهَا قَدْ حَاكَهَا

وَقَالَ ابن المبارك: ولد الزنا لا يكتم الْحَدِيث. أشار به إلى أن كُلّ من لم يكتم الْحَدِيث، ومشى بالنميمة دل على أنه ولد زنا استنباطًا من قوله تَعَالَى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} والزنيم هُوَ الدعي.
وروى أن بعض السَّلَف زار أخًا له، وذكر له عن بعض إخوانه شَيْئًا يكرهه، فَقَالَ له: يا أخي أطلت الغيبة، وأتيتني بثلاث جنايات، بغضت إلى أخي، وشغلت قلبي بسبه، واتهمت نفسك الأمنية. اهـ.
لِسَانُ الْفَتَى حَتْفُ الْفَتَى حِينَ يَجْهَلُ ** وَكُلُّ امْرِئٍ مَا بَيْنَ فَكَّيْهِ مَقْتَلُ

إِذَا مَا لِسَانُ الْمَرْءِ أَكْثَرَ هَذْرَهُ ** فَذَاكَ لِسَانُ بِالبَلاءِ مُوَكَّلُ

وَكَمْ فَاتِحٍ أَبْوَابَ شرٍّ لِنَفْسِهِ ** إِذَا لَمْ يَكُنْ قُفْلُ عَلَى فِيهِ مُقْفَلُ

كَذَا مَنْ رَمَى يَوْمًا شَرَارَاتِ لَفْظِهِ ** تَلَقَّتْهُ نِيرَانُ الْجَوَابَاتِ تَشْعَلُ

وَمَنْ لَمْ يُقَيِّدْ لَفْظَهُ مُتَحَمِّلاً ** سَيُطقُّ فِيهِ كُلَّ مَا لَيْسَ يَجْمُلُ

وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي فِيهِ مَاءُ صِيَانَةٍ ** فَمِنْ وَجْهِهِ غُصْنُ الْمَهَابَةِ يَذْبُلُ

فَلا تَحْسَبَنَّ الْفَضْلَ فِي الْحِلْمِ وَحْدَهُ ** بَلْ الْجَهْلُ فِي بَعْضِ الأَحَايِينِ أَفْضَلُ

وَمَنْ يَنْتَصِرْ مِمَّنْ بَغَى فَهُوَ مَا بَغَى ** وَشَرُّ الْمُسِيئَينِ الَّذِي هُوَ أوَّلُ

وقَدْ أَوْجَبَ اللهُ الْقِصَاصَ بِعَدْلِهِ ** وَللهِ حُكْمُ فِي الْعُقُوبَاتِ مُنَزَلُ

فَإِنْ كَانَ قَوْلٌ قَدْ أَصَابَ مَقَاتِلاً ** فَإِنَّ جَوَابَ الْقَوْلِ أَدْهَى وَأَقْتَلُ

وَقَدْ قِيلَ فِي حِفْظِ اللِّسَانِ وَخَزْنِهِ ** مَسَائِلُ مَنْ كُلِّ الْفَضَائِلِ أَكْمَلُ

وَمَنْ لَمْ يُقَرِّبْهُ سَلامَةُ غَيبِهِ ** فَقُرْبَانُهُ فِي الْوَجْهِ لا يُتَقَبَّلُ

وَمَنْ يتَّخِذْ سُوءَ التَّخَلُّفِ عَادَةً ** فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي عِتَابٍ مُعَوَّلُ

وَمِنْ كَثُرَتْ مِنْهُ الْوَقِيعَةُ طَالِبًا ** بِهَا عِزَّةً فَهُوَ الْمُهِينُ الْمُذَلَّلُ

وَعَدْلُ مُكَافَاةِ الْمُسِيءِ بِفِعْلِهِ ** فَمَاذَا عَلَى مَنْ فِي الْقَضِيَّةِ يَعْدِلُ

وَلا فَضْلَ فِي الْحُسْنَى إِلَى مَنْ يُحِسُّهَا ** بَلَى عِنْدَ مَنْ يَزْكُو لَدَيْهِ التَّفَضُّلُ

وَمَنْ جَعَلَ التَّعْرِيضَ مَحْصُولَ مَزْحِهِ ** فَذَاكَ عَلَى الْمَقْتِ الْمُصَرَّحِ يَحْصُلُ

وَمَنْ أَمِنَ الآفَاتِ عَجَبًا بِرَأْيِهِ ** أَحَاطَتْ بِهِ الآفَاتُ مِنْ حَيْثُ يَجْهَلُ

أُعَلِّمِكُمُ مَا عَلَّمَتْنِي تَجَارُبِي ** وَقَدْ قَالَ قَبْلِي قَائِلُ مُتَمَثِّلُ

إِذَا قُلْتَ قَوْلاً كُنْتَ رَهْنَ جَوَابِهِ ** فَحَاذِرْ جَوَابَ السُّوءِ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ

إِذَا شِئْتَ أَنْ تَحْيَا سَعِيدًا مُسَلَّمًا ** فَدَبِّرْ وَمَيِّزْ مَا تَقُولُ وَتَفْعَلُ

وَاللهُ أَعْلَمُ. وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم.

.موعظة:

عباد الله إن صفات الشر وخصال السُّوء ما وجدت في قوم إِلا كَانُوا أهلاً لغضب الله وسخطه فاستحقوا الشقاء والذل في الدُّنْيَا والآخِرَة وإن من أقبح الخصال وأشنع الخلال الغيبة والنميمة وقَدْ انهمك النَّاس فيهما وصَارَت مجالسهم لا تعمر إِلا بهما يسمَعُ المرء من أخيه الكلمة ليفرج بها من كربه ويخفف بها من آلامه فينقلها إلى صاحبها قصد الإيقاع به والتفريق بين الْمُؤْمِنِين هذه يا عباد الله غاية الدناءة، ومنتهى الخسة والنذالة واللآمة ألا شهامة تحمل النمام على كتمانه سر أخيه ألا مروءة تمنعه من أن ينم على أخيه المسلم، إن النمام لا يعرف للشهامة سبيلاً، ولا للمروءة طريقًا، إن من ينم على المسلمين ليبدل الود جفًا وبغضًا والصفو كدرًا وحقدًا ويفتح أبواب الشرور والجنايات على مِصْرَاعَيْهَا بين الْمُؤْمِنِين من أكبر المصائب، وأشد الرزايا على هَذَا المجتمَعَ الإنساني، وكَذَلِكَ الغيبة فإنها تذهب الحسنات، وأَنْتَ تريد أن تكشفه للناس تريد مِنْهُمْ أن يحقروه ويزدروه ويحترسوا منه أن يكون يومًا لَهُمْ من الأصحاب أَنْتَ تريد مِنْهُمْ أنه أن خطب مِنْهُمْ منعوه لتحقيرك إياه عندهم تريد من غيبتك له أن يبعد مِنْهُمْ ويكون منطويًا عنهم لما لقتنهم مِمَّا ذكرته فيه ويكون في وحشيةٍ مِنْهُمْ وتريد مِنْهُمْ أن لا يردوا عَلَيْهِ السَّلام إذا سلم لما عندهم له مِمَّا لقنتهم من الازدراء والاحتقار وإن كَانَ صانعًا فبسبب غيبتك له أن يجفوا صنعته فتقف، وإن كَانَ تاجرًا فتريد بغيبتك أن تخسر تجارته لإعراضهم عَنْهُ، وتريد أنه إذا كَانَ له أولادٌ أو بناتٌ يرغب في تزويجهم أن يأنف النَّاس مِنْهُمْ فيبورون، هَذَا وَاللهِ شَيْء يؤلم النُّفُوس الزكية لأنها مضار عظيمة جدًا تنزل بمن تغتابه فعلى العاقل أن لا يصدق المغتاب أن يرده خائبًا ولا يظن بأخيه المسلم إِلا خيرًا.
اللَّهُمَّ يا من بيده خزائن السماوات والأَرْض عافنا من محن الزمان، وعوارض الفتن، فإنا ضعفاء عن حملها، وإن كنا من أهلها، اللَّهُمَّ وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا مِنْ جَمِيعِ الأهوال، وأمنا من الفزع الأكبر يوم الرجف والزلزال، واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلّى اللهُ على محمدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
يُشَارِكُكَ الْمُغْتَابُ فِي حَسَنَاتِهِ ** وَيُعْطِيكَ أَجْرَيْ صَوْمِهِ وَصَلاتِه

وَيَحْمِلُ وِزْرًا عَنْكَ ظَنَّ بِحَمْلِهِ ** عَنْ النُّجْبِ مِنْ أَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ

فَكَافِيهِ بِالْحُسْنَى وَقُلْ رَبِّ جَازِهِ ** بِخَيْرٍ وَكَفِّرْ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ

فَيَا أَيُّهَا الْمُغْتَابُ زِدْنِي فَإِنْ بَقِي ** ثَوَابُ صَلاةٍ أَوْ زَكَاةٍ فَهَاتِهِ

فَغَيْرُ شَقِيٍّ مَنْ يَبِيتُ عَدُوُّهُ ** يُعَامِلُ عَنْهُ اللهَ فِي غَفَلاتِهِ

فَلا تَعْجَبُوا مِنْ جَاهِل ضَرَّ نَفْسَهُ ** بِإِمْعَانِهِ فِي نَفْعٍ بَعْضِ عُدَاتِهِ

وَأَعْجَبُ مِنْهُ عَاقِلٌ بَاتَ سَاخِطًا ** عَلَى رَجُلٍ يُهْدِي لَهُ حَسَنَاتِهِ

وَيَحْمِلُ مِنْ أَوْزَارِهِ وَذُنُوبِهِ ** وَيَهْلَكُ فِي تَخْلِيصِهِ وَنَجَاتِهِ

فَمَنْ يَحْتَمِلْ يَسْتَوْجِبِ الأَجْرَ وَالثَّنَا ** وَيُحْمَدُ فِي الدُّنْيَا وَبَعْدَ وَفَاتِهِ

وَمَنْ يَنْتَصِفْ يَنْفَخْ ضِرًا مَا قَدْ انْطَفَى ** وَيَجْمَعُ أَسْبَابَ الْمَسَاوِي لِذَاتِهِ

فَلا صَالِحٌ يُجْزَى بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ** وَلا حَسَنٌ يُثْنَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ

يَظَلَّ أَخُو الإِنْسَانِ يَأْكُلُ لَحْمَهُ ** كَمَا فِي كِتَابِ اللهِ حَالَ مَمَاتِه

وَلا يَسْتَحِي مِمَّنْ يَرَاهُ وَيَدَّعِي ** بِأَنَّ صِفَاتِ الْكَلْبِ دُونَ صِفَاتِهِ

وَقَدْ أَكَلا مِنْ لَحْمِ مَيْتٍ كِلاهُمَا ** وَلَكِنْ دَعَى الْكَلْبُ اضْطِرَارُ اقْتِيَانِهِ

تَسَاوَيْتُمَا أَكْلاً فَأَشْقَاكُمَا بِهِ ** غَدًا مَنْ عَلَيْهِ الْخَوْفُ مِنْ تُبَعَاتِهِ

وَمَا لِكَلامٍ مَرَّ كَالرِّيحِ مَوْقِعٌ ** فَيَبْقَى عَلَى الإِنْسَانُ بَعْضُ سِمَاتِه